Chargement en cours

Tapis de l’artiste palestinien Ibrahim Jawabreh سجادات الفنان الفلسطيني إبراهيم جوابرة

سجادات الفنان الفلسطيني إبراهيم جوابرة

‎أو في مقاومة معضلة النسيان

‎لعل من الرهانات الأكثر صعوبة، التي قد تواجه الفنان، أي فنان كان، تَمَلُّكُه لوعْيٍ شَقيِّ يَحثُّه على ضرورة تجاوز نفسه باستمرار، ليس فقط داخل نفس النسق التعبيري، الذي تَمَلَّك ناصية مفرداته التقنية والجمالية، إلى أن كَرَّس فيه لبصمة مخصوصةٍ يتأسس عليها مساره الإبداعي، وإنما أيضا، وأساسا، من خلال إيمانه بفضيلة مسح الطاولة، أو أقله تجريب شيء جديد مغاير، كأنما كل المحاولات السابقة، كانت مجرد تمرين يعي حدوده وتغلب عليه روح التلمذة. بهذا المعنى، نكون أمام صيرورة فنية حَيّةٍ ومباغتة، لا ترهن نفسها في قوالب مُكْتسبة، بل تموقع نفسها في حضرة وعي إشكالي لا يأسف على الذي فات، كما أنه لا يأبه بالترتيبات الدقيقة لما يمكن أن يُحسب ضمن خانة خرائط المغامرات القادمة.

‎بعضٌ من هذا التمثل الصعب نَحْدِسُه في التجربة الجديدة للرسام الفلسطيني إبراهيم جوابرة (1984)، الذي يُفاجئنا في أعماله الأخيرة بانزياح فني يختلف، من حيث موضوعُه وموادُه، عما عَوَّدنا عليه في أعماله الصباغية، خلال السنوات القليلة الماضية، التي كان يعتمد فيها على لمسة تجريدية تعبيرية في نقل بعض سرديات التراجيدية الفلسطينية الحديثة، أو بالأحرى بعض تفاصيلها المهملة، التي تصور عزلة الإنسان وضياع وجهته، في عالم يلفه غير قليل من الغموض والزيف واللا معنى.

‎وإذا كانت هذه التجربة قد لاقت استحسانا من لدن الجمهور والنقاد والمنشغلين بقضايا الفن العربي المعاصر، وساهمت، بالنتيجة، في تكريس اسم ابراهيم جوابرة كواحد من الفنانين الفلسطينيين والعرب الجدد المجتهدين، فإن هذه الحظوة لم تمنعه، مع ذلك، من اختيار الاستثمار في تجربة مغايرة، تختلف كلية عن سابقتها، إن من حيث موادُها أو تقنياتُها أو موضوعتُها، بما يفيد بأننا أمام نَفَسٍ فني مغامر يُؤْمِن برُجحان ما تقدمه ممكنات التجريب.

‎ويمكننا تلخيص هذه التجربة الجديدة في كونها تنهض على فكرة مقاومة « معضلة النسيان »؛ بما يعنيه ذلك من إمعان في تذكر الأشخاص الموتى أو المغيبين، واستعادة الأماكن التي أزيلت من الخرائط، واسترجاع الذكريات والروائح والأوقات العصيبة والمرحة، على حد سواء، بما يضمن الحفاظ على هوية محفوفة بالانقراض ويصون ثقافة تتآكل يوما عن يوم، ويهدد وجودا حضاريا بالزوال، ويقوي الإيمان بجدوى التشبث بالحياة في مواجهة طاحونة القتل اليومية.

‎ولتحقيق هذا الطموح، كرس الفنان جوابرة مجهودا تواصليا حثيثا، دام عدة شهور، مع أسر وعوائل الشهداء الفلسطينيين، الذين اغتالتهم آلة الطغمة العسكرية الصهيونية، من أجل الحصول على ما احتفظوا به من ملابسهم، التي قام بتوظيفها، كمادة أساس، في إنجاز أعماله الفنية الأخيرة. وهكذا، فعوض أن تتلاشى هذه المتعلقات الشخصية، بما تحمله من روائح وأذواق وذكريات بصرية عن أصحابها، وبما تجسده، كذلك، من رمزية في وجدان أسر وأهالي وأقارب هؤلاء الضحايا، اهتدى الفنان إلى إعادة تدويرها، بمنحها حياة ثانية، من خلال تحويلها إلى سجادات، بأحجام ومقاسات مختلفة وبتركيبات لونية أحادية أو مختلطة، بحيث صار بالإمكان أن يكون لها نفس الزخم، الذي تحمله صور الشهداء التي تعلق، عادة، على جدران بيوت الأسر المكلومة.

‎الأكيد أن فكرة تدوير متعلقات الضحايا قد سبق أن تناولتها عدد من التجارب التشكيلية في العالم، التي تحسب على الفنين المفاهيمي والتجريبي. وتحضرنا، في هذا السياق، أعمال الفنانة الكولمبية سالسيدو، على سبيل المثال لا الحصر، التي سبق لها عرضها في بينالي « اقتفاء الأثر » الدولي بلندن 1999، وكانت عبارة عن منحوتات تتكون من قطع أثاث تعود إلى ضحايا الحرب الأهلية في بلادها. على أن عناصر الاختلاف بين تجربتي سالسيدو وجوابرة (دون الإمعان في المقارنة) تكمن في أن الأولى، التي اعتبرها الناقد الإنجليزي جوليان ستالابراس  » محاولة دقيقة وشفافة لتبجيل الذاكرة »، تقوم على مبدأ استعادة لحظة دمار قاسية من أجل تفادي إعادة تكرارها. فيما الثانية تنقل لنا بعض ما يحيل على عملية إبادة جماعية ممنهجة لشعب أعزل، ما زالت أطوارها تجري، إلى غاية اليوم، أمام أعين العالم. إننا، والحالة هاته، أمام تجربتين مختلفتين تماما، إحداهما تسترجع أحداثا أصبحت في عهدة التاريخ الغاية منها الاتِّعاظ وأخذ العبرة وتذكر الذي حدث وانتهى. أما الثانية فلها وقع الإنذار، بمعنى أنها تدق ناقوس الخطر لإيقاظ الضمائر الإنسانية الحية من أجل وضع حد لإحدى أكثر التراجيديات وحشية في الزمنين الحديث والمعاصر، التي داست كرامة الإنسان وأصبحت تهدد وجوده.

‎الأكيد أننا لسنا بصدد إجراء أي نوع من المفاضلة بين مآسي الشعوب، وإنما همنا الأساس، من إجراء هذه المقارنة التمثيلية، هو الوقوف عند بعض ما تقترحه أعمال الفنان ابراهيم جوابرة الأخيرة من ملامح الطرافة والتميز والإغراء في علاقتها براهنها، أو بالأحرى بموضوعها وما يمثله من مآسٍ تتعاظم، يوميا عن يوم، أمام أنظار العالم. ومع ذلك، يحسب للفنان أنه ظل منحازا لما يمثله « التجرد » الفني من قيم جمالية خالصة تدعم، ولا شك، قيم النضال والمبادرة المباشرة على أرض الواقع. لذلك، عوض إغراق أعماله في تلك التعبيرية المباشرة، التي تجهز على خيال الفنان وتحد من طموح العمل الفني، راهن على إعادة تدوير موادها الأولية، بما تحمله من روائح وذكريات بصرية وحيوات مجهضة، بمنحها حياة جديدة تعكسها تلك المساحات اللونية التجريدية المحايدة، التي تسرب إلى وجدان مشاهديها شحنة من الإيمان بالجمال وبالمستقبل. ولعل ذلك ما جعل متعلقات الشهداء والمختفين تجدد صلتها بالحياة، لتقاوم آفة التلاشي وتقف في وجه معضلة النسيان.

‎عزيز أزغاي
‎شاعر وفنان تشكيلي من المغرب

 

Partagez sur :

Laisser un commentaire